الأردن يسجل رقماً تاريخياً في مشاركة النساء في السياسة: إصلاحات قانونية وبرامج التدريب على القيادة تقود التغيير
Date:
تقول يسرى الخريشة: "نريد من النساء أن يقلن: هذا مكاني". نريد أن تتقدمن نحو البرلمان، نحو التعليم وقيادة العمل السياسي. نريدهن أن يؤمنّ بأن مكانهن لا يقتصر على البيت، بل يمتد إلى كل موقع يُصنع فيه القرار.
خلال السنوات الخمس الماضية، شهد الأردن تغييرات جذرية لتعزيز مشاركة النساء كناخبات، وكعاملات في العملية الانتخابية، وكمرشحات للمناصب السياسية. وفي انتخابات عام 2024، حصلت النساء على ما يقارب 20٪ من مقاعد البرلمان، بعدما كانت نسبتهن تقل عن 14٪ في الانتخابات السابقة.
ولفهم هذه التحوّلات التي يشهدها هذا البلد العربي، تحدثت هيئة الأمم المتحدة للمرأة مع يسرى الخريشة، الناشطة الاجتماعية والمديرة العامة لمؤسسة "وياكم" للتدريب والتأهيل السياسي، وتحدثت أيضاً مع جميلة كسّاب، منسّقة في الهيئة المستقلة للانتخاب، وواحدة من المستفيدات من برنامج المنح الدراسية الذي تدعمه هيئة الأمم المتحدة للمرأة، والذي يهدف إلى إعداد النساء لتولّي مناصب رفيعة وأدوار قيادية في العملية الانتخابية.
الإصلاحات القانونية تعزز إدماج النساء في السياسة الأردنية
يقول نيكولاس بورنيات، ممثل هيئة الأمم المتحدة للمرأة في الأردن، أن "عدد الأصوات التي حصلت عليها المرشّحات قد تضاعف في الانتخابات الأخيرة، في تطور يُعدّ نقلة نوعية في المشهد السياسي الأردني. ونحن عازمون على ترسيخ هذا التقدّم ومواصلة الدفع بعجلة المشاركة النسائية السياسية إلى الأمام."
وتشير يسرى الخريشة إلى أن انخراط النساء الأردنيات في الحياة السياسية آخذ في التوسع، وتقول بأن "القوانين الجديدة بدأت بخلق مساحة أكبر للنساء للقيادة والمشاركة."
وفي إطار التزام الأردن بتعزيز الحوكمة الشاملة، تم إقرار حزمة من التشريعات التي رسّخت هذا التوجه:
• قانون الانتخاب (2022): رفع الكوتا النسائية في مجلس النواب إلى 18 مقعدًا، أي مقعد واحد لكل دائرة انتخابية، كما عزز تمثيل النساء والشباب في القوائم الحزبية بالانتخابات المحلية.
• قانون الأحزاب السياسية (2022): أوجب أن تشكّل النساء ما لا يقل عن 20% من الأعضاء المؤسسين لأي حزب سياسي.
• قانون الإدارة المحلية رقم 22 (2021): رفع تمثيل النساء في المجالس المحلية والإقليمية إلى 25%، بعدما كان 10% فقط.
ورغم أهمية هذه التغييرات، تتفق كل من الخريشة وكسّاب على أن إدراج أسماء نسائية في قوائم المرشحين لا يكفي وحده لتمكين النساء الأردنيات. يجب أن تشعر كل امرأة أن لها دورًا محوريًا في صياغة مستقبل البلاد السياسي، وأن تدرك مكانتها في قلب عملية التغيير.
تعمل هيئة الأمم المتحدة للمرأة عن كثب مع منظمات المجتمع المدني، وقادة محليين أمثال الخريشة، والهيئة المستقلة للانتخاب، والحكومة الأردنية، وشركاء وطنيين آخرين، لضمان إيصال صوت المرأة.
ويشمل هذا التعاون برنامجاً وطنياً للتوعية بعنوان "مسؤوليتنا المشتركة"، يهدف إلى تعزيز المشاركة السياسية للنساء عبر شبكة من المؤثرين وحوارات مجتمعية مفتوحة.
في انتخابات عام 2024، حصلت النساء على 19.5٪ من مقاعد البرلمان.
كما تسعى هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى تعزيز حضور النساء داخل الهيئة المستقلة للانتخاب، الجهة المسؤولة عن تنظيم وضمان نزاهة وشفافية الانتخابات في الأردن. ومؤخراً، ولأول مرة، تم تعيين امرأة لرئاسة اللجنة الوطنية، إلى جانب ثلاث نساء أخريات تولّين قيادة لجان محلية.
تؤكد يسرى الخريشة أن هذا التقدّم يُسهم في تهيئة بيئة أكثر أماناً واحتواءً للنساء، ويعزز من حضورهن في المشهد السياسي. وتضيف: "نشهد اليوم مشاركة نشطة للنساء في الورش والاجتماعات، وكثيرات منهن يخطون بثقة وثبات نحو مواقع القيادة، وهن يحملن رؤية واضحة وإرادة قوية للتغيير."
تجاوز الصور النمطية: الحواجز الخفية أمام المشاركة السياسية
تقول جميلة كسّاب، والتي تشغل منصب رئيسة قسم الإرشاد التربوي في إحدى مديريات التعليم: "لا يزال كثيرون يعتقدون أن السياسة ليست للنساء. فالتوقعات الثقافية، والتدريب المحدود، وغياب النماذج النسائية يشكّلون عقبات حقيقية تُعيق مشاركة النساء في العمل السياسي. هذه العقبات عادة ما تأتي قبل المعيقات القانونية والمؤسساتية حتى."
تتنوع المعيقات التي تعرقل مشاركة النساء في العمل السياسي ما بين معيقات اجتماعية واقتصادية وثقافية، ومن ضمنها ضعف الدعم الحزبي والمجتمعي وارتفاع تكاليف الحملات الانتخابية.
وهناك أيضاً معيقات عملية، توضحها كسّاب "العديد من النساء لا تتاح لهن الفرصة لاكتساب خبرة عملية في إدارة الانتخابات، أو يفتقرن إلى الثقة عند التحدّث في العلن، أو إلى المهارات الرقمية اللازمة لخوض حملات انتخابية حديثة وفعّالة."
جميلة كسّاب: من التردّد إلى الريادة
تتذكّر كسّاب بداياتها مع الهيئة قبل أكثر من عقد، حين كانت تخوض التجربة بخطى مترددة وثقة مهزوزة. لكنها اليوم، وبفضل برنامج المنح الدراسية الذي تدعمه هيئة الأمم المتحدة للمرأة، تدرك تماماً أهمية دور النساء في ضمان نزاهة العملية الانتخابية، ودورها الشخصي في إدماج المزيد من النساء في هذا المسار، "كنت أخاف من الانخراط السياسي، وأسيء فهمه، وضيّعت فرصاً ثمينة بسببه. أما الآن، وبعد سنوات من الدراسة، أراه مفتاحاً أساسياً لبناء المستقبل."
تُقدَّم هذه المنح الدراسية بدعم من الاتحاد الأوروبي والحكومة الإيطالية، وهي تجمع بين الدراسة الأكاديمية واكتساب مهارات قيادية عملية. حتى الآن، تمكّنت المبادرة من إيفاد 20 سيدة إلى برامج الماجستير في الجامعة الأردنية، بهدف إعداد جيل من القيادات النسائية المؤهلة في المجال الانتخابي والسياسي.
Through our work with @iecjo, we’re proud to support women in electoral committees, providing them with the tools and knowledge needed to lead, excel, and strengthen their roles in electoral management. This important work is generously funded by @EUinJordan and @AicsAmman. pic.twitter.com/DuuIirZWP5
— UN Women Jordan (@unwomenjordan) December 26, 2024
إلهام الجيل القادم من القائدات
إن المستقبل السياسي من منظور الخريشة وكساب يبدو مشرقاً.
تفخر كسّاب بكونها قدوة لأبنائها الستة ولطالباتها، إذ توفّق بين مسؤولياتها الأسرية ودورها الفاعل في خدمة المجتمع: "أشعر بتقدير المجتمع لي كامرأة تساهم في الشأن العام، وآمل أن يكون في تجربتي ما يلهم النساء الأخريات."
تسعى الخريشة إلى تشجيع الناس على التصويت للنساء المؤهّلات والواعيات والجديرات بالثقة، "أطمح لأن يرى المجتمع في النساء مرشّحات مسؤولات، ملمات، وقادرات على تولّي مواقع صنع القرار". وإن أُتيحت لها الفرصة المناسبة للترشّح، تضيف بثقة: "لن أتردّد لحظة."
وتوجّه كلمتها لكل امرأة بالقول: "لا تسمحي للصور النمطية أن ترسم حدودك. اظهري، اتركي بصمتك، وخذي مكانك الطبيعي على طاولة القرار."